|
محمد بن عبد الله العبدلي
الحمد لله رب العالمين، معز من أطاعه واتقاه، ومذل من تنكب صراطه وعصاه، والصلاة
والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله
الأطهار وصحابته الكرام وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما
بعد:
فمن
المعلوم أن الله- تبارك وتعالى -جعل أهل المعاصي المخالفين لمنهج الله ومنهج رسوله
- صلى الله عليه وسلم - ممقوتين من الله- تبارك وتعالى -من جميع الناس، وشرع الله
تبارك وتعالى لنا هجر المعاصي، والمعاصي قد تكون فعلية، أو قولية، أو اعتقادية،
والهجر قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع:
الأدلة على مشروعية الهجر من القرآن ما يلي:
قال
الله- تبارك وتعالى -: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي
الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ
بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ
فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}
[(النساء: 140)]،
وقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي
آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا
يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ}
[(الأنعام: 68)]،
قال الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسيره: "فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب
المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لان من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر،
قال الله - عز وجل -: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ)، فكل من جلس في مجلس معصية ولم
ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية
وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل
هذه الآية"()،
وقال - رحمه الله -: " في هذه الآية رد من كتاب الله - عز وجل - على من زعم أن
الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية، وعن
محمد بن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات، فإنهم الذين
يخوضون في آيات الله، قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل،
قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر، مؤمناً كان أو كافراً،
قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع، ومجالس الكفار
وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم، وقد قال بعض أهل
البدع لأبي عمران النخعي: أسمع مني كلمة، فأعرض عنه وقال: ولا نصف كلمة، ومثله عن
أيوب السختياني، وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور
الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم
يعط الحكمة، وإذا علم الله - عز وجل - من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر
الله له، فبطل بهذا كله قول من زعم أن مجالستهم جائزة إذا صانوا أسماعهم، قوله -
تعالى -: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا
تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ().
وقال - سبحانه -: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء
ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}
[(هود: 113)]،
قال الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسيره:
"
الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع
وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة، وقد قال حكيم:
عن
المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي()
وقال - سبحانه -: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
[(22 المجادلة)]،
قال القرطبي - رحمه الله -: " استدل مالك - رحمه الله - من هذه الآية على معاداة
القدرية وترك مجالستهم، قال أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في اللّه؛ لقوله
- تعالى -: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}،
قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان"
().
الأدلة على مشروعية الهجر من السنة النبوية ما يلي:
عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
((سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم
ولا آباؤكم فإياكم وإياهم))
[رواه مسلم برقم(6)].
وعن
سعيد بن جبير أن قريباً لعبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - خذف قال: فنهاه، وقال:
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخذف، وقال:
((إنها لا تصيد صيداً ولا تنكأ عدواً، ولكنها تكسر السن
وتفقأ العين))، قال: فعاد فقال: أحدثك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
نهى عنه ثم تخذف لا أكلمك أبدا"
[رواه مسلم برقم(1954)].
قال
الإمام النووي - رحمه الله -: " فيه هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة مع
العلم وأنه يجوز هجرانه دائما والنهى عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر
لحظ نفسه ومعايش الدنيا وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائماً"().
وهجر النبي - صلى الله عليه وسلم - كعب بن مالك وصاحبيه - رضي الله عنهم - لما
تخلفوا عن غزاة تبوك، واستمر هجرهم مدة خمسين ليلة، حتى آذن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - بتوبة الله عليهم ()،
قال الإمام النووي تعليقاً على هذا الحديث:
"
استحباب هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة وترك السلام عليهم ومقاطعتهم؛ تحقيرا لهم
وزجراً"()،
وقال الإمام ابن عبد البر - رحمه الله -: " وقد جعل بعض أهل العلم حديث كعب هذا
أصلاً في هجران أهل البدع ومن أحدث في الدين ما لم يرض"().
وقال ابن كثير رحمه الله في ترجمة أبو محمد البربهاري: " العالم الزاهد الفقيه
الحنبلي، الواعظ.. وكان شديداً على أهل البدع والمعاصي، وكان كبير القدر تعظمه
الخاصة والعامة"().
وقال الفضيل بن عياض - رحمه الله - في ذم أهل البدع والتحذير منهم، فمن ذلك ما يلي:
قال: " لا تجلس مع صاحب بدعة، فإني أخاف أن تنـزل عليك اللعنة، وقال: " من أحب صاحب
بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه"،
وقال: " آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة
حصن من حديد"()
فظهر بذلك مشروعية هجر أهل المعاصي والبدع، وأنها مستثناه من النهي عن الهجر فوق
الثلاث، ويقول العلامة صالح الفوزان - حفظه الله -: " هجر المؤمن لا يجوز فوق ثلاثة
أيام إذا كان على أمر من أمور الدنيا، بل عليه أن يصالح أخاه وأن يُسلِّم عليه إذا
لقيه، ومع أنه لا ينبغي ابتداءً أن يهجر على أمر من أمور الدنيا، ولكن لو حصل شيء
من الهجر؛ فإنه لا يتجاوز ثلاثة أيام، وهذا هو المراد بالحديث:
((لا يَحِلُّ لمؤمن أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاث))
[رواه مسلم برقم (2561)]؛
يعني إذا كان الهجر على أمر من أمور الدنيا.
أما
إذا كان الهجر لأجل معصية ارتكبها ذلك المهجور، وكانت هذه المعصية من كبائر الذنوب،
ولم يتركها؛ فإنه يجب مناصحته وتخويفه بالله -عز وجل-، وإذا لم يمتنع عن فعل
المعصية ولم يتب، فإنه يُهجَر؛ لأن في الهجر تعزيرًا له وردعًا له لعله يتوب، إلا
إذا كان في هجره محذورًا بأن يُخشى أن يزيدَ في المعصية وأن يترتب على الهجر مفسدة
أكبر، فإنه لا يجوز هجره في هذه الحالة، فهجر العاصي إنما يجوز إذا كان من ورائه
مصلحة ولا يترتب عليه مضرة أكبر، وبالله التوفيق"().
هذا
ما تيسر القول فيه ونسأل الله- تبارك وتعالى -أن يوفقنا لكل خير وأن يتوب علينا
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
- الجامع لأحكام القرآن (5 / 418)، للإمام أبي عبد الله
محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي،
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة.
- الجامع لأحكام القرآن (7/13) بتصرف.
- تفسير القرطبي (17/308).
- شرح النووي على مسلم (13/106)، لأبي زكريا يحيى بن
شرف بن مري النووي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط2، سنة النشر: 1392هـ.
- الحديث رواه البخاري برقم(4418)؛ ومسلم برقم(2769).
- شرح النووي على مسلم(17/100).
-
[8]
الاستذكار(8/290)، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، تحقيق:
سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1، سنة النشر:
1421هـ
- 2000م.
- البداية والنهاية(11/201) مكتبة المعارف، بيروت.
- الإبانة لابن بطة (2/460).
- المنتقى من فتاوى العلامة صالح بن فوزان الفوزان.
|