Untitled Document
   
الآثار السيئة للتعصب في الفكر والعمل الإسلامي
إضغط للحفظ   إضغط للحفظ

بقلم / كمال بن عبد القادر بامخرمة

 

يميل الناس عادة للتعصب للقيم المادية أو المعنوية، نظراً للإغراق العاطفي حباً وولاء لهذه القيم أيا كانت. وللتعصب أثره في التعامل وفي اتخاذ الأحكام إلى الحد الذي يتجاوز به الإنسان حدود العقل أو الأدب أو الشرع. وقد جاء الإسلام ليهذب هذه الجبلَّة البشرية بما يخدم قيم الحق والعدل والخير الذي يرتضيها الله تعالى، وقد نجح بالفعل في إزالة العصبية القبلية والطائفية وعصبية المصالح والعادات. وعاش الإسلام ردحاً من الزمان مهيمناً على فكر وعواطف وعادات ومواقف المجتمع.. لكن سرعان ما دب في هذه الأمة داء التعصب المقيت في وقت مبكر، حيث عادت العصبية القبلية وعصبية الشيع وعصبية المصالح والمذاهب الفكرية.. وأنتجت (نتنا) لا تزال آثاره باقية حتى اليوم وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم !! دعوها فإنها منتنة)).

إن من المؤسف أن نجد التعصب داء مستشرياً في أوساط الدعاة إلى الله وحقل العاملين للإسلام، وهم يبشرون ويدعون إلى إقامة مجتمع متآلف ومتحد ومتآخي! وهو ما دفع لكتابة هذا المقال عن الآثار السيئة للتعصب على العمل الإسلامي المعاصر، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: إن التعصب يؤدي إلى تربية الأمة على التبعية الفكرية، والقضاء على استقلالية التفكير والنظر الحر في صواب الأقوال وخطئها بناءً على البحث والنظر في الأدلة، ولا شك أن هذا من أخطر الأمراض التي تفتك بالأمة اليوم، حيث الانهزام النفسي والتبعية الفكرية لزبالات أذهان اليهود والنصارى، وهذا الأمر لا يتم معالجته إلا بتربية الأمة على الثقة بالنفس والاعتزاز بما لديها من دين والاقتناع الحر المبني على الأدلة. ونظرة واحدة للجيل الذي رباه النبي – صلى الله عليه وسلم- نجد هذا الأمر واضحاً، فيدخل الواحد منهم في الإسلام مقتنعاً أنه الحق الأبلج الذي يجب اتباعه ولا يجوز مخالفته، ونجد النبي – صلى الله عليه  وسلم - يشاورهم في حوادث عديدة ويأخذ بمشورتهم، وفي هذا ما فيه من التربية على الاستقلالية في التفكير، وإعطاء الثقة بالنفس بالقدرة على إعطاء الرأي السديد.

ثانياً: ويؤدي التعصب أيضاً إلى تربية جنود وأتباع يفعلون ما يؤمرون وينفذون ما يطلب منهم ولو على غير بصيرة، فيكونون غير قادرين على قيادة الأمة قيادة سليمة مبنية على كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم - وعلى ما يحيط بالأمة من ظروف وملابسات وأحوال، وغير قادرين على اتخاذ المواقف الحاسمة المناسبة لتلك الظروف، بل نجد تكراراً لممارسات القيادة السابقة رغم ظهور فشلها وخطئها وانحرافها، مع التعصب لهذه القيادة على اعتبار أنها مقدسة ولا يمكن أن تقع في الخطأ، سواء قال الأتباع هذا بلسان حالهم أو مقالهم!!

والواجب في تربية الأمة اليوم أن نربيها على الجندية المطيعة المبصرة، وعلى القدرة على القيادة المستقلة عندما تكون في محل القيادة،  وهكذا كانت تربية النبي – صلى الله عليه وسلم - لأصحابه طاعة مطلقة لأمر الله ورسوله، وقيادة فذة واعية عندما توكل إليها القيادة.. ولذا صار العرب الجفاة الغلاظ الذين يصعب قيادهم أمة منظمة مطيعة لأوامر قادتها، لكنها طاعة مبصرة للحق والباطل.. وأصبح أولئك الأعراب سادة الأمم وقادتها، وبنوا حضارة لا مثيل لها في التاريخ.. هذا هو الذي يجب على الدعاة أن يصنعوه في دعوتهم التبليغية والتربوية.

ثالثاً: التعصب المقيت لقيادة عمل ما أو زعيم لحركة أو جماعة يؤدي إلى انحراف الأتباع فيما إذا انحرف الزعيم أو القائد. ولا شك أن هذا خطره عظيم حيث يؤدي إلى دمار العمل الإسلامي وضياع ثمرته، وأن الفئة من الناس تصبح رهينة رأي قيادتها فلا يجوز مخالفتها ولا انتقادها، وإن كانت آراؤها مصادمة للنصوص الواضحة، قال ابن مسعود: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر".

رابعاً: ويؤدي التعصب إلى السطحية في التفكير نتيجة لعدم التدريب على التفكير العميق ودراسة الأمور دراسة علمية واعية مؤصلة حيث يتلقى الأتباع النتائج جاهزة من الجماعة أو الزعيم، وهذا يؤدي بدوره إلى إيجاد أمة سطحية في التفكير غير واعية لما يدور حولها، وبالتالي ينصب لها أعداؤها المصايد والفخوخ فتقع فيها وهي لا تشعر.

خامساً: كما يؤدي التعصب إلى المساعدة في تشويه مفاهيم الإسلام ومقاصده في النفوس، ذلك لأن المتعصب لا يفهم الإسلام إلا من خلال من يتعصب له وقد يكون لديه حق وباطل، وقد يحوِّل بعض الأصول إلى فروع أو العكس، فيعتبر المتعصب أن الإسلام هو هذا بحقه وباطله، وأصوله وفروعه، مما يؤدي إلى الأخذ ببعض الدين ونسيان البعض الآخر، ولا شك أن هذا من أكبر أسباب التفرق والتنازع كما أخبر الله عن أهل الكتاب في سبب تفرقهم قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [(14) سورة المائدة] .. وأيضاً فإنه يزيد في انحراف المسلمين وبعدهم عن دينهم الصحيح، وبالتالي تأخير النصر والتمكين الذي وعده الله عباده المؤمنين، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [(55) سورة النــور]، فتأمل في قوله تعالى: {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ففيها دلالة على وجوب سلوك سبيل من قبلنا ممن استخلفهم الله في الأرض وهم بالنسبة لنا رسول الله وأصحابه.. فإن سلكنا منهجاً غير منهجهم في سبيل الاستخلاف لم نفلح. وتأمل قوله: {الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} والدين المحرف لا يُرضي الله تعالى.

قال الحافظ ابن كثير عند تفسيره الآية: "فالصحابة - رضي الله عنهم - لما كانوا أقوم الناس بعد النبي – صلى الله عليه وسلم - بأوامر الله - عز وجل - وأطوعهم له كان نصرهم بحسبهم ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم"، وأقول: ولما تخلى المسلمون اليوم عن دينهم وانحرفوا عنه سلب الله منهم النصر والتمكين، فإذا أردنا العودة والاستخلاف فلنعد إلى ديننا عودة صادقة خالية من الانحرافات والتشوهات.

سادساً: ومن آثاره أيضاً ليُّ النصوص وتحريفها عن مواضع الاستدلال بها وذلك لكي توافق الرأي الذي يراه المذهب أو الشيخ أو الجماعة فيكون القرآن والسنة وسيلة لتأييد اجتهادات البشر، ولو كانت مخالفة لها، ومن هنا لا تكون القراءة للقرآن والسنة من أجل الاهتداء بهما واستخراج الأحكام التي يرضاها الله لعباده منها!! وهذا من أعظم الأسباب لفقدان الانتفاع بالوحي الذي أوحاه الله لنبيه – صلى الله عليه وسلم - وصياغة حياة الأمة على أساسه، ولا شك أن هذه طريقة أهل البدع، والأهواء في الاستدلال.. وقد وصف نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم - الخوارج المارقة بذلك حيث قال: ((يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم)) أي لا يفهمونه وذلك لأنهم عندما يقرأونه لا يقرأونه قراءة اهتداء بل قراءة بحث عن النصوص التي تؤيد بدعتهم.

سابعاً: ومن الآثار السيئة ضعف عقيدة الولاء والبراء بضوابطها الشرعية وتشوهها في نفوس العامة، وذلك أن الولاء والبراء يصبح قائماً على موافقة أو مخالفة من يتعصبون له في جماعة أو شيخ أو مذهب، ومن هنا قد يُوالى أصنافاً من المبتدعة والمنحرفين، كما يوالى المتبع للسنة أو أعظم لمجرد التعصب على أساس الانتماء أو الموافقة في الرأي!! بينما قد تجد أهل الحق وأهل السنة وأهل الخير والصلاح يلاقون المعاداة والبغض والانتقاص لكونهم ليسوا على مذهبهم أو في جماعتهم أو لأنهم يخالفون شيخهم في بعض الآراء والمسائل والاجتهادات.

ومن ثم أصبح الناس يمتحنون بآراء الرجال واجتهاداتهم فمن وافقها فهو الذي يستحق الولاء، ومن خالفها فليس له إلا البغض والعداوة والبراء، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [(55-56) سورة المائدة] ، ويقول: "  {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..} [(29) سورة الفتح]، و: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..} [(54) سورة المائدة] وهذه صفات جيل التغيير يذكرها الله - تبارك وتعالى - في هذه الآية، وأين المتعصبون من هذه الصفات، وكيف يمكن أن تُعلَّق آمال تغيير واقع الأمة وإخراجها مما فيه من الذلة والمهانة إلى العز والتمكين على المتعصبين الذين فقدوا صفات أساسية من صفات جيل التغيير الذين وعد الله - عز وجل - حصول التمكين والنصر على أيديهم. إننا إذا أردنا أن يصل العمل الإسلامي وتصل الدعوة إلى أهدافها وغاياتها فلا بد من تنقيتها من جميع الآفات والانحرافات وعلى رأسها التعصب الذميم.

ثامناً: ومن آثار التعصب أيضاً: ضعف الأخوة الإيمانية والقيام بواجباتها، بل وانعدامها في بعض الأحيان نتيجة للضعف والتشويه الذي حصل لعقيدة الولاء والبراء. كذلك الانقسامات والانشقاقات الحاصلة في صفوف بعض الجماعات والحركات الإسلامية نظراً لتأصل داء التعصب فيها، ومحاولة إلغاء الآخرين وجعلهم أصفاراً لا قيمة لهم ولا وزن أما شيخه أو جماعته فهي الجماعة الأم القادرة على إنقاذ الأمة ونشر الإسلام وحمايته.

تاسعاً: ومن الآثار فقدان العدل في التعامل وانتشار الظلم بين صفوف الدعاة المتعصبين ومن ذلك الانتقاص من إنجازات المخالفين وتضخيم إنجازات الموافقين ولو كانت إنجازات تافهة أو هي أرقام في خدمة أعداء الإسلام، وتقديم سوء الظن واتهام النيات ونشر الإشاعات الكاذبة والمغرضة، وضعف التعاون  على البر والتقوى أو على ما يخدم الإسلام والمسلمين بل انعدامه أحياناً. وضعف التناصر والتراحم والتعاطف فيما بين الدعاة. وضيق الصدر من الاجتهادات المخالفة لما عليه مذهبه أو شيخه أو جماعته ورمي المخالف بشتى التهم من كفر أو نفاق أو تبديع أو تفسيق.

إضافة إلى انتشار النزاعات والخصومات وربما الوصول إلى الاعتداء بالضرب وربما ما هو أخطر من ذلك كسفك الدماء الطاهرة واستصدار الفتاوى بحل دم فلان أو علان من المخالفين، وهذا حاصل من بعض أصحاب الغلو، هذا مع اندساس الأعداء في الصفوف مستغلين أجواء التعصب والحمية الجاهلية ليزيدوها اشتعالاً وأواراً، ولم يفشل اليهود في المدينة في إشعال الفتن وأوار الحرب بين الأنصار إلا أنهم قد تخلوا عن العصبية الجاهلية، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقضي بسياسته الحكيمة على مثل هذه الفتن وينبه أصحابه إلى خطورة هذه العصبيات كما قد سبق ذكره.ولا شك أن الأعداء لهم أثر سيء في تفريق الدعاة وإيجاد الوحشة فيما بينهم وإيغار صدور بعضهم على بعض.

إلى غير ذلك من الآثار والآفات السيئة التي ينشئها التعصب فعلينا الحذر من ذلك والتمسك بالحق سواءً كان لنا أو علينا فهو السبيل إلى الألفة وجمع الكلمة ووحدة الصف، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [(153) سورة الأنعام] كما أنه السبيل الوحيد إلى إحداث التغيير المنشود والذي يرجوه كل مصلح.

والله أعلم

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،