|
فضل محمد البرح
"مركز الدعوة العلمي ": لم يكن مثلي أن يشمخ إلى مناطحتك، ويجرأ
بمخاطبتك، سيما من نشأ وترعرع على عينيك في حديقتك الغناء -وأنا في مقدمتهم –في حين
ينساب لدى الكثيرين سرور إنجازاتك ونجاحاتك المتدفقة، فقد خارت قوى وهي تحاول
اقتلاع جذورك الممتدة أو التسلق إلى أغصانك السامقة، وأنا أقر بصعوبة الوقوف أمامك،
مما جعلني أتريث ملياً، وأحدث نفسي: إني لن أستطيع أن أخوض بحراً ثجاجاً، أو أن
أطفئ سراجاً وهاجا، وأنَّى لي إنقاص ماء البحر بإغماس المخيط فيه وانتزاعه...وأجد
حرجاً شديداً في نفسي، وتأنيباً في ضميري حينما أجرح مشاعرك وأنا أذكرك بتاريخك
محاولاً الترصد والترقب لعيوبك التي طالما كحلت أعين من رآك فأغنت عن تسطير بعضها
بهذه الورقة لضيقها، سيما أنها ظهرت جلياً في ثمرات فؤادك من خلال سنين طوال، ومدى
تأثرهم وتمسكهم بتلك العيوب، فكثيرون أولئك الذين يفدون إليك من مناطق وقرى شتى
متعطشين للعلم، ومثقلين بركام من المفاهيم المغلوطة، والتصورات الخاطئة... سرعان ما
تبرز أسارير وجه أحدهم، وتغمره الفرحة جراء انفتاحك عليه وقبولك له، ثم لا ينقضي
عجبه وهو في غمار الجو العلمي الزاهي من أطروحاتك ذات الأفق البعيد، ومدى ملامستها
للواقع المعايش، ويعجب أشد الإعجاب بمشايخك وعلمائك ذوي الاهتمامات المتعددة،
وتأصيلاتهم الوثيقة؛ كأنَّ "سحرك" ينضو رداء الإعجاب عن كتفه فيزيح ركام المفاهيم
والتصورات المشوبة لديه، فيكون أسير التغيير والتصحيح لبعض سلوكياته ومعتقداته
العتيقة، حيث لا يستطيع الرهان على الثبات.
ولم يكن التفرق يوماً مندوحة لأصحابه حين يتفرقون بعد اجتماعهم،
ويختفي بعضهم عن الآخر، إلا أني أرى من منهجك عدم الحرص على بقاء طلابك يقبعون في
بستان علمك وزهرة إيمانك سنين أكثر مما قررته في نظامك... قد يكون لعلمك بحاجة
الناس وشدتها لمثلهم، وإيمانك بقوله تعالى: "فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم
ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".! فكان تفرق طلابك
في معظم بلدك اليمن وخارجها تعزيزاً لتلك المفاهيم، ولم يعد البقاء لهم فيك مندوحة
بعد أن شربوا وارتووا من معينك الصافي وزلالك العذب إلا أن يجدوا لهم قدماً وموطناً
آخر غيرك؛ يلتمسوا فيها أصحاب الفاقة والحاجة ليؤثروهم مما شربوا ونهلوا امتثالا
لقوله –عليه الصلاة والسلام –: "لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر
النعم"، ولعلي ألتمس لك هذا العذر.!
ولا يغيب عنا ما لمسنا من آدابك ومقرراتك أن من الفضل والإحسان رد
الجميل لأهله، بيد أن التأثر بهذا المفهوم لدى بعض طلابك يبدو محل نظر!؟؛ لضعف غرس
مثل هذه القناعات فيهم، فبعضهم لم يعد يوليك مزيداً من الاهتمام والتفقد بين الفينة
والأخرى..! وإحساناً للظن قد يكون لما تقلدوه من مسؤولية، ورعاية ما أسسوا على
غرارك من محاضن وقلاع ليلتقوا معك هنالك، أو ما تفرع من المجلات الدعوية المتنوعة،
حيث تبنوا خطتك ومنهجك على نفس المنوال ليشقوا الطريق إليك أو تلتقي معهم في
ثناياها، حيث اكتفيتَ بك منك...
وألحظ أن طلابك لم يعودوا مكتفين بتوجيهاتك وإملاءاتك، ويجعلوا في
الحسبان التقيد بمقرراتك فحسب، بل تجاوزوا حدك، ولم ينضووا تحت لوائك، ولعل ذلك
يرجع إلى طبيعة أطروحاتك ورؤيتك التي لا تنفك عن إعطائهم الضوء الأخضر ذا الصدر
الرحب، من عدم التخندق حول الذوات، وأن لا يكونوا حبيسي الانغلاق والجمود، ويراوحوا
ذات المكان، وهذا قد يكون لإدراكك أن الزمن والمكان لم يعودا يجمعان أصحاب المشرب
الواحد والرؤية المتلاحقة فحسب، بل أضحيا ميدانا مكشوفا يجمعان شتاتاً من أصحاب
الرؤى والأفكار المتنوعة بل والمتباينة حيث يكون التكيُّف السبيل الوحيد لنجاح كثير
من الأعمال النهضوية للصحوة الإسلامية.
ولن أبرئ نفسي من تلك العيوب- ولا تحسب أني بذلك أريد تعداد عيوبكم
القليلة وأنسى ما فينا من العيوب، بل أذكركم بعيب فينا عظيم وهو أننا لا ننسى ما
فعلته فينا وغيَّرته من قيمنا وأخلاقنا وسلوكياتنا وتصوراتنا، بل أننا لازلنا نبكي
على تلك الأيام والسنين، ويعتصر القلب أسىً، ويئن ألماً جراء تفريطنا آنذاك، ونحن
نقلب صفحات تاريخك وما فعلته بأخلاق وسلوكيات وتصورات ذلك الجيل مذ عام 1412هـ ولا
زلت ماضٍ في ذلك إلى أن يشاء الله، فنحن لا ننسى ما فعلته فينا بواسطة مشايخك
وعلمائك كالشيخ عبد المجيد الريمي من خلال دروسه لمجمل أصول أهل السنة والجماعة،
والطحاوية , ونو اقض الإيمان، فزرع مفاهيم جراء تقريره حينئذ، من أهمية الاعتقاد
وتوحيد المشارب وسلامتهما للظفر بتحقيق غاية وسر خلق الإنسان، ومدى أثرها في عصمة
الأمة بحبل الله المتين، ورص صفوفها بمواجهة أعدائها، والقيام بجيل يؤمن بالشمولية
والعالمية لهذا الدين على غرار الجيل الأول الفريد، ولا ننسى ما فعله فينا مشايخك
"صالح الوادعي"، و" عبدالله الحاشدي "، الأول من خلا تطوافه في زوايا وأركان صحيح
البخاري، وهو يتناول أهمية السنة النبوية وأثرها على سلوكيات الفرد والمجتمع،
والتعامل مع المخالف والمدعوين على منهج الوسطية والاعتدال -منهج أهل السنة
والجماعة...، والآخر في خضم دروسه لمصطلح الحديث ونقد الرجال، معرباً لنا النقد
البناء، والتقويم السديد، بعيداً عن التعصب لغير منهج الحق وآراء الرجال-الذين
يُستدل لكلامهم ولا يُستدل بكلامهم، والنأي عن قوارع الألفاظ والطعن في الآخرين
على غير منهاج، ولا ننسى كذلك ما فعله فينا شيخك "محمد البيضاني" من خلال تطوافه في
نصوص الوحي القرآني، حيث يقرر في ثنايا تفسيره لسوره -منها المائدة والتوبة -أثر
الشريعة والتحاكم إليها في الأمن والاستقرار، وموضحاً معالم أهل النفاق بين القديم
والحديث.
ولا ننسى شيخك "عبد الرحمن سعيد"، وهو يتناول فقه الدعوة إلى الله
تعالى، حيث قدم تصوراً واقعياً للواقع الدعوي، وسبل تعزيز التأثير الإيجابي فيه،
وأضحى يغرس مفاهيم التوازن والتعامل مع شرائح المجتمع بألوانه وأطيافه، وأبرز معالم
الدعوة، وقرر وسائلها... وغيرهم من مشايخك ومعلميك الذين لا ننسى ما فعلوه فينا. إذ
نحلم بالرجوع إلى تلك الأيام مرة أخرى، قد تكون هذه لمشكلة فينا.!؟.
ومع ذا وذاك، إلا أننا نراهن على تحريك عجلة الصحوة إلى الأمام بما
نحمل، وما كان لعقارب الساعة أن ترجع إلى الخلف، بيد أن التقدم إلى الوراء وإعادة
الذكريات ومحاولة صياغة بعض وقائعه وحوادثه؛ يعزز الموروث الثقافي لدى للجيل. |