|
ضوابط النقد عند أهل السنة والجماعة ( 2 )
أ/ صادق بن محمد الهادي
1)
العلم بثبوت البنية الشرعية والأدلة اليقينية على المدعى به في مواجهة أهل الهوى
والبدعة، ودعاة الضلال والفتنة، وإلا كان الناقد ممن يقفو ما ليس له به علم وهذا
عين البهت والإثم قال الله - تعالى -: {وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ
احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}
[(58) سورة الأحزاب].
2)
ترك الظن والشك في النقد: مطلوب من المسلم أن يحسن الظن بنفسه وكذلك بغيره -:
{ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ
خَيْراً}
[(12) سورة النــور]،
فلا يطعن في داوخل الأعمال وخلجات القلوب وتفسير النيات والمقاصد.
3)
ويرى أهل السنة والجماعة بالاتفاق من أن هذا الواجب من تمام النصح لله ولرسوله -
صلى الله عليه وسلم - ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالنقد دين وقربة وهذا شرطه القصد
لوجه الله - تعالى -، وإلا كان الناقد بمنزلة من يقاتل حمية ورياء، وهو من مدارك
الشرك في القصد.
قال
الشيخ بكر أبو زيد في تصنيف الناس ص (9): فقد ظهر ضميرٌ أسود اشتغل بتصنيف الناس
فظهر مرض التشكيك وعدم الثقة حمله فئام غلاظ من الناس، يعبدون الله على حرف، فألقوا
جلباب الحياء، وشغلوا به أغراراً التبس عليهم الأمر، فضلوا وأضلوا، فلبس الجميع
أثواب الجرح والتعديل، وتدثروا بشهوة الجرح ونسج الأحاديث والتعلق بخيوط الأوهام،
فبهذه الوسائل ركبوا ثبج التصنيف للآخرين للتشهير والتنفير، والصد عن سواء السبيل.
أ.هـ.
4)
على الناقد أن يقتصر على الهدف المقصود من النقد ولا يتوسع أو يتجاوز ذلك الهدف إلى
غيره مما ليس له علاقة بالهدف كالهمز واللمز والشتم ونحوه؛ لأن الكلام في الناس كما
سبق من باب الضرورة والضرورة تقدر بقدرها.
ولهذا أنكر بعض العلماء على يحيى بن معين قوله عن عبد الملك بن مروان أنه أبخر الفم
لأن هذا ليس مؤثراً في الرأي، ولا مؤثراً في الرواية، فلا مصلحة من ذكره().
5)
على الناقد اعتبار ملابسات الأقوال وحال القائل وظروفه وقت القول وأخباره، قال ابن
القيم: "والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها
الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عنه،
فإن لم يعرف الملابسات والأحوال فليس أهلاً للنقد"().
6)
على الناقد أن يكون عالماً بدلالات الألفاظ، واصطلاحات الفنون والعلوم، وعبارات
العلماء، فكم من جاهل تراه يغير على غيره من العلماء والدعاة بالجرح والثلب،
ويتجاسر على النقد والحكم، ولو أنه فتش وتأمل ورجع إلى أهل العلم والخبرة لعلم أنه
أخطأ الفهم، ولسلم من كثير من الخلل والنقص، ولهذا قال الإمام ابن القيم: "ما أكثر
ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة"().
وقال أيضاً: والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علته،
والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني لأرباب المعالي والفهم
والتدبر، وقد يعرض لكلٍ من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم؛ فيعرض لأرباب
الألفاظ التقصير بها عن عمومها وهضمها تارة، وتحميلها فوق ما أريد بها تارة، ويعرض
لأرباب المعاني بها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ فهذه أربع آفات هي منشأ غلط
الفريقين().
وقال الإمام السبكي: (فكثيراً من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، والخبرة
بمدلولات الألفاظ - ولاسيما الألفاظ العرفية - التي تختلف باختلاف العرف فتكون في
بعض الأزمنة مدحاً، وفي بعضها ذماً أمر شديد لا يدركه إلا قعيد في العلم) ().
7)
على الناقد أن يتحلى بحلية التأني والتثبت قال المعلمي اليماني: "والحكم على
العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبر وتثبت أشد ما يحتاج إلى الحكم في كثير من
الخصومات، فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا
تفويت عشرة دراهم، فأما الحكم على العالم والراوي فيخشى منه تفويت علم كثير،
وأحاديث كثيرة ولو لم يكن إلا حديثاً واحداً لكان عظيماً()".
ومن
لوازم التثبت أن لا يعتمد على الكلام الشائع الذي يلوكه الناس بألسنتهم دون بصيرة
وفهم.
قال
الحسن البصري: المؤمن وقاف حتى يتبين"(),
وقد قيل: "وما آفة الأخبار إلا رواتها".
8)
أن يكون الناقد عفيف اللسان، يكسو ألفاظه بأحسن الأدب، قال السخاوي: "وإذا أمكنه
الجرح بالإشارة المفهمة، أو بأدنى تصريح لا يجوز له الزيادة على ذلك؛ فالأمور
المرخص فيها للحاجة لا يزاد فيها على ما يحصل الغرض".
وقد
روي عن المزني أنه قال: سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول فلان كذاب، فقال:"يا إبراهيم
أكس ألفاظك أحسنها، لا تقل كذاب ولكن قل حديثه ليس بشيء، لذا قَلَّ أن يقول البخاري
كذاب بل يقول سكتوا عنه؛ ولأن الكلمة الطيبة أقرب إلى القلب من غيرها، والقوة في
النقد تجعل المنقود ينفر.
9)
عدم التهويل من الأمور الاجتهادية أثناء النقد والتي يسوغ فيها الخلاف خاصة إذا
كانت من المسائل التي حصل عند السلف فيها خلاف فيسع المتأخرين ما وسع المتقدمين.
10) لا بد أثناء النقد أو الكلام على أي شخص أو هيئة أو جماعة الأخذ بعين الاعتبار
ما قاله العلماء في المنقود من مدح أو ذم "قبول شهادة العلماء" فهم المرجعية خاصة
العلماء الربانيين الذين يتميزون بمنهج وسط في النقد.
للمقال بقية...
- الجامع لبيان العلم وفضله (2/1113).
- قاعدة في الجرح والتعديل ص (46).
|