Untitled Document
   
ضوابط النقد عند أهل السنة والجماعة (1)
إضغط للحفظ   إضغط للحفظ

صادق بن محمد الهادي 

 

تمهيد:

إن النقد قبل أن يكون تفنيداً لفكرة أو كلاماً في شخص أو جماعة، هو ذوق وشفافية وأدب وخلق ورحمة، وترفع عن حظوظ النفس وإبراز الذات وشهوة الانتقام، وشيوع روح التسامح والتغاضي عن هفوات البشر.

 

وهو تقويم وإصلاح لما أعوج وشذ عن الحق والصواب، وهو علم له قواعده وضوابطه ورجاله، فإن النقد لا يتأتى من كل أحد وهذه هي نقطة الافتراق بينه وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

إن الصحوة الإسلامية المعاصرة (المباركة) مدعوة بإلحاح إلى ضرورة إحياء الملكة النقدية عند رجالها، وتربيتهم على وزن الأمور والبراهين والأدلة والحكم عليها قوة وضعفاًً، وتصحيح الصحيح وإبطال الباطل منها لكي يتم ترميم البناء من الداخل، وإصلاح المعوج، وهذا سوف يقطع الطريق بلا شك أمام الأفكار الدخيلة، والآراء العقيمة.

 

وقد يعجب البعض من الكتابة في النقد والخلاف في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى الاتفاق وتناسي الأمور الخلافية في ظل هذه الهجمة الشرسة على أمة الإسلام من الداخل والخارج، والتي تستخدم كل الوسائل المؤدية إلى ذلك، وهذا البعض يرى أن النقد وتقويم الآراء سوف يفرق الصف، ويشتت الكلمة، ويشغلنا ببعضنا عن عدونا الحقيقي، وهذا حق إذا كان منهج الطرح هو التشهير، وتصيد العثرات، وتتبع السقطات، والتغافل عن الحسنات، بل إن هذا المنهج قد يستفز المخالف، ويثير فيه كوامن التحدي والمكابرة.

 

ومع أنه من المسَلَّم والمقرر في الشرع الحنيف أنه متى ما وقع الخطأ في المجتمع الإسلامي فلا بد من إصلاحه بصرف النظر عن فاعله، والنقد البناء الملتزم بالضوابط الشرعية هو الوسيلة بل من أهم الوسائل لحماية المجتمع الإسلامي، وتنقية الجماعة المسلمة، وتطهير مجتمعها مما يداخله من أمور غير مشروعة، وأفكار غير مرغوبة؛ سواء وقعت عن اجتهاد أو غير اجتهاد، ومع أن:

 

موضوع النقد موضوع متشعب وكبير يشمل:

تعريفه- أهميته- تأريخه- أنواعه (نقد الفرد، نقد الجماعة، النقد في القديم والنقد في الحديث، النقد البناء والنقد الهدام وخصائص كلٍ ) - ضوابطه، أسبابه، مظاهره، دوافعه، أدلته، خطر النقد الهدام، علاقة النقد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شروط الناقد (السلوكية، والعلمية) إلا أننا سنتناول بهذه الدراسة المتواضعة موضوع واحد أو فقرة واحدة مما سبق وهي:{ ضوابط النقد عند أهل السنة والجماعة}.

 

وقد يتساءل البعض لماذا ضوابط النقد عند أهل السنة بالذات؟

نقول: إن شمول منهج أهل السنة لكل أمور الحياة حيث أن لهم منهج متميز في العقيدة، ومنهج متميز في النظر والاستدلال، وفي المناظرة وبيان الحق، وفي الدعوة إلى الله، وفي النقد والحكم على الآخرين، ولأنه المنهج الحق والعدل الذي يجب أن تضبط الأمور الدينية والدنيوية بهذا المنهج لأنه من رب العالمين.

 

وعلى هذا: فإن كشف الأهواء والبدع الضالة والمضلة، ونقد المقالات المخالفة للكتاب والسنة، وتعرية الدعاة إليها وهجرهم، وتحذير الناس منهم وإقصاء فكرهم، والبراءة من مقالاتهم سنة ماضية في تاريخ المسلمين في إطار أهل السنة، معتمدين شرطي النقد العلمي وسلامة القصد بل هو من أفضل الجهاد لذا فقد قيل لأحمد: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل.

 

وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله([1]).

 

وهذا يختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والأحوال.

 

لذا قال: كذلك من دخل مع أهل البدع والفجور ثم بُين له الحق وتاب فقد يكون بيانه لحالهم وهجره لمساويهم وجهاده لهم أعظم من غيره.

 

قال نعيم بن حماد الخزاعي وكان شديداً على الجهمية: ((أنا شديد عليهم لأني كنت فيهم)) ([2]).

 

وقبل الخوض في الكلام على الضوابط لا بد أن نذكر بعض القواعد والأصول المتفق عليها في هذا الباب ومنها:

1-  الأصل الشرعي: تحريم النيل من عرض المسلم وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة في إطار الضرورات الخمس التي جاءت من أجلها الشرائع ومنها حفظ العرض.

2-  أن الأصل في المسلم حسن الظن به قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [(12) سورة الحجرات]، فأمر الله – عز وجل - باجتناب كثير من الظن لأن بعض هذا الكثير أثم، وفي حديث الإفك دروس ينبغي لكل مسلم أن يعيها فقوله - تعالى -: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [(12) سورة النــور]، فكما أنه يحسن الظن بنفسه فعليه أن يحسن الظن بإخوانه - خاصة إذا كانوا دعاةً فإحسان الظن بهم من باب أولى -.

 

3-  الأصل اشتغال المرء بعيوبه وأخطائه، والجماعة كذلك - حتى إذا نقد كان لنقده أثر، ولكلامه قبول- وقديماً قيل:

يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً ** إن عبت منهم أمــــــوراً أنت تأتيها

وأعظم الإثم بعد الشــرك تعلمه ** في كل نفس عماها عن مساويها

عرفتها بعيـــوب الناس تبصرها ** منهم ولا تبصر العيـــــب الذي فيها

 

4-  ومن القواعد والأمور المهم معرفتها في هذا الباب هو: أن نفرق بين النقد في القديم  والحديث، حيث كان النقد في العصر الأول يعمل به ويقبل بلا غضاضة، فيقوم الرجل من عامة المسلمين يرد على الوالي فيقول له: لا سمع ولا طاعة حتى يستفسر عن أمر معين، وتقوم المرأة كذلك، ويقوم العلماء بالتصحيح لبعضهم البعض بلا خوف ولا استنكار حتى يطمئن الجميع أن مقاصد الشريعة محفوظة وما ذلك - والله أعلم- إلا لسلامة مقاصدهم في النقد، ولمعرفة ضوابط النقد، وأيضاً لما اتصفوا به من العدل والإنصاف، أما اليوم فقد أصبح قبول النقد صعباً، فيجب مراعاة هذا التغير في نفوس الناس وطبائعهم، ومعرفة ضوابط النقد وشروطه وحال الناس ونفسياتهم([3]).

 

5-      لا بد أن نعرف أيضاً أن المنهج النقدي ثلاثة أصناف "مدارس":

 أ -      فريق غلبت عليه المسامحة فلا ينتقد بحجة أن النقد يفرق... إلخ. 

ب-  و فريق لا يتسامح في شيء حتى وصل إلى التكفير والتفسيق والتبديع لمجرد الأهواء والأحقاد، ولمجرد هفوات تصدر من هذا أو ذاك، وقد تكون منشأها في الأصل اجتهاد يعذر صاحبه.

ج-  وسط بين الفريقين يمثل هذا المنهج أهل السنة والجماعة بمنهجهم المميز في النقد الذي يوافق الحق وما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -.

 

للمقال بقية...


 

[1] - السير ج (11/ 218).

[2] - الفتاوى (10/301).

[3] - انظر أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين لهشام إسماعيل الصيني، تقديم عابد السفياني.