Untitled Document
   
عقبات الدعوة من قصة موسى عليه السلام
إضغط للحفظ   إضغط للحفظ

عقبات الدعوة من قصة موسى عليه السلام

أ/ حاتم فارع أحمد علي

 

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد:

العقبة في اللغة هي: المرقى الصعب من الجبال وجمعه عِقاب[1].

والعقبة في الاصطلاح الدعوي هي: (حسب تعريف بعضهم )  : (نريد بمشكلات الدعوة وعقباتها: "مجموعة الأخطاء والمعوقات التي يقع فيها الدعاة أو يواجهونها في طريق دعوتهم داخلية كانت أو خارجية وتشكل عقبة أو مشكلة في سبيلهم، سواء أكانت هذه الأخطاء والمعوقات في جانب المفاهيم الدعوية أم في جانب المناهج والأساليب والوسائل[2].

وقبل الكلام عن عقبات الدعوة في قصة موسى عليه السلام يجب التنبيه على ما يلي:

1-     لا يشترط في الأخطاء الدعوية والمعوقات حتى تسمى عقبات ومشكلات أن تكون عامة منتشرة في جميع الدعاة ويكفي في ذلك أن توجد في صفوف الدعاة ولو قلوا أو يعاني منها المصلحون أياً كانوا...

2-     أنه من التفريط أن تهمل المشكلات والعقبات الدعوية ويتجاهل أمرها حتى تتمكن في طريق الدعوة ويصعب علاجها. كما من الخطأ تضخيمها وإعطائها أكبر من حجهما فتوقع الدعاة في اليأس والقنوط.

وقد وقع الاختيار على قصة موسى عليه السلام لتكون موضوع دراسة قضية عقبات الدعوة وذلك بسبب كثرة ورودها ولكونها متعددة الفصول والمشاهد وفي ذلك يقول سيد قطب رحمه الله: (... ثم يقص على رسوله حديث موسى، نموذجاً لرعايته للمختارين لعمل دعوته، وقصة موسى هي أكثر قصص المرسلين وروداً في القرآن. وهي تعرض في حلقات تناسب موضوع السورة التي تعرض فيها وجوها وظلها.. ففي سورة البقرة سبقتها قصة آدم وتكريمه في الملأ الأعلى وعهد الله إليه بخلافة الأرض ونعمته عليه بعد ما غفر له.. فجاءت قصة موسى وبني إسرائيل تذكيراً بني إسرائيل بنعمة الله عليهم وعهده إليهم وإنجائهم من فرعون وملئه، واستسقائهم وتفجير الينابيع لهم وإطعامهم المن والسلوى وذكرت مواعدة موسى وعبادتهم للعجل من بعده، ثم غفرانه لهم، وعهده إليهم تحت الجبل، ثم عدوانهم في السبت وقصة البقرة....)[3].

 1-العقبة الأولى :الأكابر والملأ:

الملأ كما يقول المفسرون: هم أشراف القوم وقادتهم ورؤساؤهم وسادتهم[4].

أي البارزون في المجتمع وأصحاب النفوذ والذين يعتبرهم الناس أشرافاً وسادة، وهم الذين يستحقون – في نظر الناس – قيادة المجتمع والزعامة والرئاسة فيه وقد يباشرون ذلك فعلاً..

وإطلاق كلمة الملأ عليهم في القرآن بهذا المعنى هو من قبيل بيان الواقع لا من قبيل بيان الاستحقاق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في رسائله إلى رؤساء فارس والروم مثل عظيم الروم وغيرها.

الحال والوصف الغالب للأكابر والملأ هو معاداتهم للدعوة إلى الله وقيادتهم لحملات التكذيب والافتراء والتضليل ضد أنبياء الله واتباع الأنبياء.

أسباب عداوة الملأ للدعوة:

1-     الكبر: فهو آفة عظيمة ومن آثاره عدم رؤية الحق في غالب الأحيان أو رؤيته وعدم الاعتراف به والانقياد له.

فالكبر يمنع المتكبر من الرؤية الصحيحة لقدر نفسه فيراها فوق أقدار الناس فيستنكف أن يكون معهم أو تابعاً لأحدهم.

قال الله تعالى في حق فرعون وملأه: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً" وقال تعالى: "ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملأه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين، فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون، فكذبوهما فكانوا من المهلكين" وفي سيرة النبي الكثير من المواقف التي تبين كبر قريش..

2-     الحفاظ على المصالح: ومنها حب الرياسة والجهل والملأ وأكابر القوم يحبون الرياسة والجاه والتسلط على رقاب العباد ولذلك فهم يعارضون كل دعوة تسلبهم مكانتهم من الناس وتجعلهم تابعين كبقية الناس وهم يتصورون أن قبول الدعوة إلى الله يسلبهم الجاه والسلطان ولذلك يقاومونها ويعادونها ويأتون بالأباطيل لتبرير عداوتهم.

قال تعالى: "ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملأه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين.. قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين".

ففرعون وملأه استكبروا عن اتباع الحق ثم برروا استكبارهم عن الحق بالادعاء بأن موسى وهارون يريدان أن تكون لهما الكبرياء والعظمة والرياسة في الأرض وهم لا يقبلون أن ينافسهم أحد في هذا الشيء.

قال تعالى عن الملأ: "وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد" قال ابن كثير في معنى قوله تعالى: "إن هذا لشيء يراد".

قال ابن جرير في معنى هذه الآية: إن الملأ قالوا إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يراد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه.

3-     الجهالة: وهم عارقون فيها ولا يشعرون بجهالتهم فهم يكفرون بربهم ويردون دعوته ويحاربونها ويصفون الدعاة بالسفه والضلال وخفة العقل ويؤلبون الدهماء عليهم ويستهزئون بالمؤمنين زاعمين أنهم لا يفهمون ولا يعلمون...

وإن الأنبياء والدعاة إلى الله مفسدون في الأرض وأن الملأ المصلحون.

 

الملأ هم في كل زمان ومكان بأوصافهم وأخلاقهم التي بينها القرآن يقفون غالباً في وجه كل دعوة إلى الله تعالى ويحاربونها بدافع الكبر الذي يغش نفوسهم وبدافع حب الرياسة على الناس وخوفهم أن هذه الدعوات الربانية تسلبهم مكانتهم وترفهم وكذلك الجهل الذي يخيم على مثل هذه النفوس[5].

قال سيد رحمه الله[6]: إن الذي يحول دون تحول هذه المجتمعات الجاهلة إلى النظام الإسلامي هو وجود الطواغيت التي تأبى أن تكون الحاكمية لله. تأبى أن تكون الربوبية في حياة الناس والألوهية في الأرض لله وحده.

ماذا يفعل الأكابر:

1-     يذلون شعوبهم.

2-     يتبعون سادتهم.

3-     يحطمون القيم.

4-     يحاربون الدعوة ولا يدركون أن حربهم تفريد الدعوة وأن الدماء تروي شجرة الدعوة فتمتد جذورها في الأرض وتنتشر فروعها في السماء.

وإن السجن والتعذيب لا يقضي على الداعية بل يمحصه ويشحذه لمرحلة أخرى يكون فيها أصلب عوداً وأوفر يقيناً[7].

 

2- العقبة الثانية :التذكير بالأخطاء السابقة:

وهذه الظاهرة تبرز في قصة موسى مع فرعون في عدد من الصور من أبرزها الحوار الذي دار بين موسى وفرعون وهو يدعوه لعبادة الله وحده فما كان من فرعون إلا أن فتح لموسى أحد ملفات الماضي كما يقول تعالى حاكياً عن فرعون: "وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين، قال فعلتها إذاً وأنا من الظالين".

تدبر كيف أن موسى عليه السلام قد حاول جاهداً أن يرد الطاغية إلى رشده ويفهمه تلك القاعدة والسنة الإلهية في مراعاة مرحلية التطور الفكري حيث اعترف بتلك الفعلة في شجاعة نادرة، ولكنه عليه السلام أعلن أنه حين فعلها قد فعلها وهو الجاهل فلما يؤخذ بجريدة مرحلة قد تعداها سلوكاً وفكراً إلى مرحلة النضج.

ولكن هذا يدين الجاهلين بسنن الله عز وجل في التطور الإيماني والفكري والنفسي والتربوي عند البشر.

فمن سننه سبحانه أن يؤخذ في الاعتبار مراحل التطور الفكري عند البشر التي من شأنها أن تنتج تطور السلوك ونضجه في حياة الفرد فلكل مرحلة فكرية سلوكياتها بل ومقاييسها ومعاييرها الخاصة بها.

وتدبر كيف راعى النبي صلى الله عليه وسلم المرحلية الفكرية وذلك في تعامله مع خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما أسلم وذلك على أساس أن الإسلام يجب ما قبله فلم يفتح صلى الله عليه وسلم يوماً ما ملفه السابق في حربه ضد الإسلام والدعوة حتى ولو كانت الأوراق الخاصة بمصيبة (غزوة أحد) والتي أصيب فيها الحبيب جسدياً ومعنوياً بل أقر اختياره لقيادة جيش المسلمين في غزوة مؤته وذلك بعد ثلاثة أشهر من إسلامه وسماه (سيف الله).

وكذلك عكرمة فقد قال لما رآه قادماً: "سيأتيكم عكرمة مؤمناً مهاجراً فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت".

ففي مجال الدعوة يجب على الدعاة أن يتنبهوا لهذه الظاهرة لأنها قد تكون عقبة في طريق الدعوة إلى الله فهي ظاهرة اعتلالية خطيرة وقد يكون لها مظاهر عدة مثل:

1-      تعامل الدعاة مع غيرهم ومع بعضهم على أساس أحداث الماضي وعل هفوات سابقة وعلى أخطاء اندثر زمانها والتي على أساسها توضع حوله الدوائر الحمراء فتتحول إلى أوراق تهديدية تضم إلى ملفه فتمثل عوائق قاسية تمنع تقدمه وتقتل طموحاته..

وهذا الفعل قد يستساغ من الطغاة المجرمين ولكن العجب حين يصدر من الدعاة مع المدعوين أومن القيادة تجاه الأفراد.

2-      ومنها أن تجد البعض يتعامل مع الفرد وفق عادة التفتيش عن الأخطاء وعادة اللوم والتأنيب والتحميل فوق الطاقة[8].

 

3- العقبة الثالثة :الضعف الداخلي للصف:

إن الكلام عن هذه العقبة جاء من خلال النظر في أحد فصول قصة موسى عليه السلام وهو ما جرى مع السامري.

إنها أنموذج الشخصية الخفية التي لا تعمل عادة إلا في الليل، إنها أنموذج الشخصية الخفية الشيطانية التي أضلت بني إسرائيل في غيبة موسى عليه السلام والتي أوردها القرآن في معرض كلامه من الفتن التي ضربت بني إسرائيل في أعقاب نجاتهم من فرعون وجنوده..

إن صاحب هذه الشخصية هو الحاضر في غ يبة القيادة والذي يعمل على تضليل القاعدة وهو الناشط في حضورها لتمرير أهدافه وغاياته من خلالها.  إن هي ضعفت أمامه وطاوعته واستسلمت له إنه وراء فشل الكثير من المشاريع الناجحة وهدم العديد من المؤسسات الفالحة، وبروز الكثير من المشكلات السوداء الكالحة..

كما لطخ هذا الصنف من الناس (ذات الصفات السامرية) سمعة الابرياء وهذه الثقة بالشرفاء، وألفت  الانتباه أن المعالجة القرآنية لهذا الصنف من البشر لا تكون إلا بمقاطعتهم وعدم الاتصال بهم وهذا منا قضى به موسى عليه السلام في حق السامري حيث قال: "قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعداً لن تخلفه".

لقد بدت هذه الشخصية السامرية في عهد النبوة في أمثال عبد الله بن أبي بن سلول ومعظم الناشطين في حركة النفاق وظهرت في العصر الحديث داخل الجماعات الإسلامية وتكون العاقبة من وجودهم وانتشارهم:

‌أ-     شيوع الفتن في صفوفها.

‌ب-استشراء الغيبة والنميمة بين عناصرها.

‌ج-  بروز ظاهرة الصراع بين أجيالها.

‌د-    تراجع دور المحاضن التربوية فيها.

‌ه-     تعاظم الاهتمام بالمناصب الاجتماعية والمصالح الشخصية.

‌و-   خسارة العديد من أصحاب الكفاءة.

‌ز-                        تسلق أصحاب الأهواء هرم المسؤوليات.

إن الصفة الثابتة الملازمة لأصحاب هذه الشخصيات السامرية عبر التاريخ هو أن يعيشوا على التناقضات إن وجدت وإيجادها إن غابت وتأجج الصراعات وابتعاث الأزمات.

وإن مشكلة هؤلاء أنهم مرضى مقعدون ومرضى نفوس يعمدون إلى إثبات شخصية من خلال مخالفة كل ما هو مألوف إن أنت أكرمتهم تمردوا وإن أنت عفوت عنهم تساهلوا وعربدوا ولا ينفع معهم إلا البتر والإقصاء والإبعاد ذلك حكم الله فيهم وهو خير الحاكمين[9].

 

4- العقبة الرابعة: ضعف الطاعة والجندية:

الطاعة في اللغة: الانقياد والمواطنة.

وفي الاصطلاح: موافقة الأمر طوعاً.

وفي الاصطلاح الدعوي: عمل المطلوب في الوقت الذي ينبغي أن يعمل فيه.

وهناك أسباب كثيرة تؤدي إلى عدم الطاعة منها داخلية ومنها خارجية.

فالداخلية مثل:

1-     الاستجابة للوساوس والشبهات الشيطانية والظن.

2-     الإطراء بالمدح والإعجاب بالنفس.

3-     التنافس وعدم تحمل الرأي الآخر والفرقة.

4-     حب الرياسة والرغبة في التحرر من سيطرة الآخرين.

5-     الاجتهاد المخالف.

6-     استباق المسؤول.

7-     العجز عن تحمل المشاق.

والخارجية مثل:

1-     المحن والابتلاء.

2-     المجتمع والأهل.

3-     حركات الضرار.

 

ومن أسباب ضعف الطاعة والانضباط:

1-     التداخل بين العمل الدعوي والمصالح الشخصية.

2-     التقاعس من القيادة في المتابعة.

3-     التكتلات داخل الصف.

4-     عدم الشعور بأهمية العمل الجماعي.

5-     اختلاف الأهداف.

6-     عدم وضوح التكليف.

7-     ضعف الجانب الإيماني والتعبدي.

8-     شعور الفرد بإمكاناته العالية وأنه متفوق.

9-     الحيل النفسية.

 10-       الميل لحب الانتقاد لأي عمل مع قلة العطاء.

11- الاستهانة برموز الدعوة وقادتها وأصحاب السبق فيها والاستخفاف بهم وبما قدموا.

12- وضع التكليف في غير موضعه.

13- الرغبة في معرفة كل أمر والخوض فيما لا يعنيه.

14- عدم معرفة سمات الأفراد وإمكاناتهم.

 

 


 

مراجع البحث:

1- تفسير ابن كثير                               ابن كثير.

2- تفسير في ظلال القرآن                        سيد قطب.

3- المدخل إلى علم الدعوة                         محمد البايانوني.

4- عوائق في طريق الدعوة                       على جريشة.

5- الانضباط والطاعة وأثرها التربوي             أحمد العليمي.

6- العوائق                                        محمد الراشد.

7- قطوف شائكة                                  فتحي يكن.

8- مشكلات الدعوة والدعاة                        محمد حسين الذهبي.

9- أصول الدعوة في قصة موسى                 إبراهيم عمارة.

10- آفات على الطريق                            السيد محمد نوح.

11- معوقات العمل الإسلامي                      بهيج ملا حويش.

12- فقه الظواهر الدعوية                         حمدي شعيب.

13- مشكلات وحلول في حقل الدعوة             عبد الحميد البلالي.

14- المعجم الوسيط                               مجموعة.

15- الطاعة في المعروف                        جمعة أمين


 

[1] - المعجم الوسيط، مادة: عقب.

[2] - مدخل إلى علم الدعوة (346).

[3] - في ظلال القرآن (4/2329).

[4] - ابن كثير (2/222) نقلاً عن أصول الدعوة (380).

[5] - أصول الدعوة (388).

[6] - الظلال (4/2012).

[7] - عوائق في طريق الدعوة (37).

[8] - فقه الظواهر الدعوية ص (30).

[9] - قطوف شائكة ص (164) وما قبلها.