|
العلاقة بين آل البيت وأهل السنة
بقلم/د. أنور أبو زيد
موقف أهل السنة والجماعة من آل البيت وسط بين مسلكين، مسلك الذين غلوا وأفرطوا في
حبهم حتى أدى بهم غلوهم إلى زعمهم بأنه لا يتم تولي أهل البيت إلا ببغض الشيخين أبي
بكر وعمر - رضي الله عنهما - والصحابة الكرام، وأطلقوا على من تولاهما وأحبهما اسم
"الناصبة" بناء على أن من أحبهما فقد أبغض علياً وأن من أبغض علياً فهو ناصبي .
فرموا أهل السنة زوراً بالنصب!!
ومسلك آخر مقابل لذاك هو التفريط والتقصير في حق آل البيت حتى آل أمر هؤلاء إلى نصب
العداوة لهم وسبهم وتكفيرهم كما فعله المارقة الخوارج "الحرورية"، وهذا هو شأن كل
ناصبي تجاه أهل البيت فهو المستحق لهذا الاسم لا أهل السنة.
وكلا هذين المسلكين هلك في هذه المسألة، وقد حكم بهلاكهم الإمام علي - رضي الله عنه
- حيث قال: "يهلك رجلان: مفرط في حبي، ومفرط في بغضي"
[أخرجه اللالكائي وإسناده قوي].
فأهل السنة يحبون أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ويتولونهم، ويحفظون
فيهم وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال يوم غدير خم وهو في طريق رجوعه
من حجة الوداع: ((أذكركم الله في أهل بيتي))
[رواه مسلم]،
وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم:
((والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله،
ولقرابتي))، وذلك أنهم صفوة قريش كما أن قريشاً صفوة العرب.
قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ
وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِى هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ))
[صحيح مسلم].
فأهل البيت هم آل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم آل
علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وبنو الحارث بن عبد المطلب وأزواج النبي - صلى
الله عليه وسلم - وبناته، كل هؤلاء من أهل بيته، كما قال تعالى في حقهم في سورة
الأحزاب:
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}
[(33) سورة الأحزاب].
فأهل السنة يحبونهم ويحترمونهم ويكرمونهم؛ لأن ذلك من احترام النبي - صلى الله عليه
وسلم - وإكرامه، ولأن الله قد أمر بذلك.. ورسوله، وشَرْطُ حبهم أن يكونوا مستقيمين
على الملة كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وبنيه، أما من خالف السنة منهم
ولم يستقم على الملة والدين فإنه لا يحب ولا يوالى؛ لأن مدار محبة الخلق طاعة
الخالق وميزان التقوى.
فكيف يجرؤ أهل الأهواء والمغرضين أن يرموا أهل السنة -بعد هذا- بالنصب {كَبُرَتْ
كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}.
وهاهم خيرة آل البيت يتبرؤون من محبة الغالين، وبغض الجافين، ويدعون إلى الاعتدال
في هذه المحبة، قال علي بن الحسين - رحمه الله تعالى - : "يا أيها الناس أحبونا حب
الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً"
[أخرجه اللالكائي].
وعن الحسن بن الحسن أنه قال لرجل يغلو فيهم: "ويحك، أحبونا لله، فإن أطعنا الله
فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، ولو كان الله نافعاً أحداً بقرابة رسول الله –
صلى الله عليه وسلم - بغير طاعة لنفع بذلك أباه وأمه، قولوا فينا الحق فإنه أبلغ
فيما تريدون، ونحن نرضى منكم"
[اللالكائي].
ولما سئل علي - رضي الله عنه -: هل عندكم شيء من الوحي؟ قال :"لا والذي فلق الحبة
وبرأ النسمة، ما خصنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء لم يعم به الناس
كافة".
هؤلاء هم أهل البيت وهذا هو مذهب أهل البيت وهذا هو مذهب أهل السنة فيهم، خير
المذاهب وأعدلها، كما نؤكد على أنه لم يكن بين آل البيت وبقية الصحابة أي جفاء، بل
كان أهل البيت يحبونهم ويدعون لهم ويترضون عنهم، وينهون عن سبهم والطعن فيهم،
وللإمام الشوكاني - رحمه الله تعالى - رسالة سماها (إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت
في صحب النبي - صلى الله عليه وسلم -)، ذكر فيها إجماع أهل البيت على تحريم سب
الصحابة، كما ذكر في آخر رسالته أن من لم يقنع بذلك فهو إما جاهل أو مكابر.
وبالمقابل كان كبار الصحابة يوصون الناس بآل البيت ويأمرونهم برعاية الحق الذي لهم.
فهذا أبو بكر - رضي الله عنه – يقول: "ارقبوا محمداً في آل بيته"، ويقول: "احفظوه
فيهم، فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم"، وقال أيضاً - رضي الله عنه -: "والله لقرابة
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي من أن أصل قرابتي"
[أخرجه البخاري].
وقال عمر - رضي الله عنه - للعباس - رضي الله عنه -: "والله لإسلامك يوم أسلمت أحب
إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - من إسلام الخطاب".
[(تفسير ابن كثير 4/113)].
وهذه إشارة في الموضوع والمقام لا يتسع للتطويل وإلا فالشواهد كثيرة.
والمقصود أن أولى الناس بآل البيت من اتقى الله فيهم وأنزلهم منزلتهم اللائقة بهم
بلا غلو ولا جفاء، ومن نهج غير ذلك فهو ليس بصادق في زعمه حبهم وما كاد للإسلام من
كاد إلا من هذا الطريق ، تحت شعار محبة أهل البيت، والتاريخ شاهد على ذلك!!
|