Untitled Document
   
ونطق الرويبضة (2)
إضغط للحفظ   إضغط للحفظ

ونطق الرويبضة (2)

بقلم الشيخ/ كمال بامخرمة

 

تحدثنا في المقالة الماضية حول إشكالية "الرويبضة" وهو الرجل التافه يتكلم في أمور العامة، وضربنا لذلك مثلاً.. ونواصل اليوم الكلام عن مظاهر سيطرة هذا الصنف من الناس على الأمة.

الأفكار الدخيلة والمناهج الغربية:

لقد أصيبت الأمة بانهزام نفسي خطير وهو أخطر من الانهزام العسكري، إذ أن الأخير يمكن تداركه بإعداد العدة وإعادة الكرة واستعادة النصر، كما حصل في زمن التتار عند ما هزموا المسلمين وأسقطوا خلافتهم، وعاثوا في الأرض فساداً وقتلاً وتدميراً، إلا أن المسلمين لم ينهزموا نفسياً تجاههم، وظلوا –التتار- في نظرهم أمة محتقرة كافرة لا وزن ولا قيمة لها عند من يدين بدين الإسلام، وبهذه العزة ثبت المسلمون وذاب التتر في هذه الأمة وأعجبوا بدينها فدخلوه، ولأول مرة في التاريخ يدخل الغالب في دين المغلوب، إنها قوة روحية عظيمة أوجدها الاعتزاز بالإسلام.

أما المرحلة التي تمر بها الأمة اليوم فقد تجاوز الأمر فيها الانهزام العسكري إلى الانهزام النفسي، فأصبح ثلة من المسلمين يمجدون ضلالات الغرب وانحرافاتهم وزبالات أذهانهم، داعين إلى استيرادها وتطبيقها في بلاد المسلمين، ولما كانت زمام الأمور بيد هؤلاء المنهزمين فرضوا ما استوردوه على المسلمين، وتركوا ما أنعم الله به عليهم وراءهم ظهريا!

ومن أبرز الأفكار الدخيلة والمناهج الغربية: العلمانية، الديمقراطية، العصرانية.

والعلمانية تعني فصل الدين عن الحياة، وجعل الدين علاقة بين العبد وربه ... وهذا هو مفهومها الغربي.

والعلمانيون في بلاد المسلمين أخذوا بهذا المبدأ وطبقوه بحذافيره، فحارب كثير منهم التدين ومظاهره، وحارب أهله ودعاته، ونصب لهم المشانق والسجون، حتى صار من يحافظ على الصلوات في الجماعة في بعض البلاد الإسلامية العربية متهماً بالتطرف والإرهاب، وكذا من ينتسب إلى المدارس الشرعية والعلم الشرعي!!

ومما يؤسف أننا نجد في بلد الإيمان والحكمة دعوات شاذة، يدعو أصحابها جهاراً نهاراً وعلى الصحف بتطبيق العلمانية بمفهومها الغربي، ويدعون إلى الشذوذ الجنسي وإعطاء أصحابه حقوقهم وحريتهم، ويدعوا في الوقت ذاته إلى قبول مشروع أمريكا -فيما أسموه "بالشرق الأوسط الكبير"- الذي تسعى من خلاله إلى تمزيق الأمة وجعل عصابة اليهود المحتلة لفلسطين تتحكم في مقدرات المنطقة وشعوبها، وقد ورد أحد هذه المقالات السيئة في صحيفة 22مايو العدد (  ) بتاريخ (  )...

أما الديمقراطية فقد أصبحت شعاراً يوشك أن يكون معروفاً لا يجوز إنكاره بل ربما أوذي المنكر عليه واتهم!! رغم كونها نتاجا بشريا وجهدا تختلف الشعوب والجماعات والدول في تفسيره وتحديد معالمه! وأقرب مثال سقوط الديموقراطية في معاقلها الغربية كما هو الحال مع أمريكا وبريطانيا!

إن الديمقراطية فكرة إنسانية وضعت ممن لا يملكون شرعة سماوية تعدل بينهم وتهديهم السبيل، وهي تقوم على تجربة الطرق والمناهج!! بعيداً عن دين الله، فالديمقراطية تعني جعل الحكم والتشريع -الذي هو حق خالص لله ومعنى من معاني كلمة لا إله إلا الله- لغير الله، من أصناف البشر أيا كانوا، وهذا شرك أكبر مخرج من الملة، كما هو معلوم من الدين!

قال تعالى : {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [(50) سورة المائدة]، فليست الديمقراطية هي مجرد الانتخابات ومجالس النواب، وإفساح الحريات لكل المذاهب والنحل الهدامة، بل هذا نتاج من نتاجها وفرع لأصلها الشركي وهو جعل الحكم والتشريع لغير الله سواء جعلوه للشعب أو لمجلس النواب أو غيرها من المسميات، وقد أبطل الله كل ذلك بقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [(40) سورة يوسف] فجعل صرف الحكم والتشريع لله عبادة له، وصرفه لغير الله عبادة لذلك الغير، مثله مثل الصلاة والسجود، فمن جعل التشريع لشعب أو مجلس أو زعيم أو نحو ذلك فقد اتخذه رباً من دون الله، وهذا الكلام يقرره القرآن مصدر ديننا وعقيدتنا ومفاهيمنا وموازيننا، قال تعالى عن أهل الكتاب: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [(31) سورة التوبة]. وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية بنفسه، بما لا يدع لأحدٍ حق التفسير، فقد أورد ابن كثير في تفسيره ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث عدي بن حاتم في قصة مقدمه على الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه دخل عليه وفي عنقه صليب من فضة والرسول يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} قال: قلت إنهم لم يعبدوهم! فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم".

قال الألوسي في التفسير: "الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم".

إذن فالعبادة الواقعة من اليهود والنصارى لعلمائهم ليست هي الركوع أو السجود لهم، وإنما جعلهم مشرعين من دون الله، ولهذا عقَّب الله بقوله: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [(31) سورة التوبة].

فهذا نص القرآن وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم يدمغ كل ملبس يريد أن يجعل الديمقراطية التي هي في أصلها جعل التشريع لغير الله منهجاً إسلامياً، أو متوافقاً مع الإسلام، وبهذا يتبين لكل ذي عينين أن الديمقراطية ليست هي الشورى الإسلامية؛ لأن الشورى قائمة على أن الرب والمشرع هو الله، وأن ما تتم فيه الشورى هو ما ليس فيه نص ومما يدخله الاجتهاد، وأما الديمقراطية قائمة على أن الرب والمشرع هو غير الله أيَّاً كان هذا الغير بأي اسم يسمى، فليست العبرة بالأسماء والمصطلحات وإنما العبرة بالحقيقة والجوهر.

وهكذا عندما ينطق الرويبضة تأتينا مثل هذه الانحرافات والتلبيسات المنكرة!!

 

وأما العصرانية فهي دعوة ضالة تهدف إلى التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، وتتلخص أفكارهم في:

- تطويع الإسلام بكل وسائل التحريف والتأويل والسفسطة لكي يساير الحضارة الغربية فكراً وتطبيقاً.

- إنكار السنة إنكاراً كلياً أو شبه كلي.

- التقريب بين الأديان والمذاهب بل بين الإسلام وشعارات الماسونية.

- تبديل العلوم المعيارية وأصول الفقه، وأصول التفسير، وأصول الحديث "تبديلاً تاماً"، وفرَّعوا على ذلك إنكار الإجماع، والاعتماد على الاستصحاب الواسع والمصالح المرسلة الواسعة – كما يسمونها – في استنباط الأحكام، واعتبار الحدود تعزيرات وقتية.

- الإصرار على أن الإسلام ليس فيه فقه سياسي محدد وإنما ترك ذلك لرأي الأمة، بل وسعوا هذا فأدخلوا فيه كل أحكام المعاملات فأخضعوها لتطور العصر وجعلوا مصدرها الاستحسان والمصالح المرسلة.

-تتبع الآراء الشاذة والأقوال الضعيفة والرخص واتخاذها أصولاً كلية.

"وهذا الاتجاه على أية حال لا ضابط له ولا منهج، وهدفه هدم القديم أكثر من بناء أي شيء جديد وإنتاجه الفكري نجده في مجلة المسلم المعاصر، ومجلة العربي، وكتابات حسن الترابي، ومحمد عمارة، ومحمد فتحي عثمان، وعبد الله العلايلي، وفهمي هويدي وعبد الحميد متولي، وعبد العزيز كامل، وكمال أبو المجد، وحسن حنفي، وما هر حتحوت، ووحيد الدين خان. وإنما رأيت ضرورة التنبيه عليهم لخطورتهم واستتار أمرهم عن كثير من المخلصين" أهـ

إن هؤلاء العصرانيين يمثلون أحد ركائز رويبضات هذا الزمان، وتتجلى سيطرتهم من خلال ما تتلقفه عنهم الصحف والمجلات ودور النشر من الكتابات والمؤلفات، التي تروج لهذه الأفكار التي تميع الدين وتذيبه في مياه الغرب الآسن!

حتى لا تكون رويبضة:

وحتى لا تكون رويبضة فعليك باتباع ما يلي:

أولاًَ: أن تكون صاحب تقوى لله واستقامة: لأن التقوى والاستقامة هي الجدية بعينها، وبها يصلح القول والفعل ويعلو ويستمر.. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [(70-71) سورة الأحزاب].

ثانياً: أن تكون صاحب همة عالية، واهتمامات جادة وأهداف واضحة في حياتك، سنتك وشهرك وأسبوعك ويومك، قال تعالى لنبيه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [(7-8) سورة الشرح].

لا تجعل شيئاً من حياتك فارغاً ودون هدف تحققه لنفسك ولأمتك، بل إذا شعرت بالفراغ فاملأه بالنافع المفيد الذي يحصل به النصب، كما لا تنسى أن تجعل هذا الجهد وهذا النصب خالصاً لوجه الله، لا تريد به عرضاً من الدنيا.

ثالثاً: تمثل قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [(201) سورة الأعراف]، فاحرص أن تكون مبصراً في جميع ما تقدم عليه من قول أو عمل أو ردود فعل.

فالله - عز وجل - يحث في هذه الآية على الإبصار الذي هو نتيجة للتذكر، لذا إذا واجهك قول أو فعل في موقف ما ينال منك أو من كرامتك فلا تقدم على أي رد فعل حتى تتبين مدى موافقة ذلك لما يرضي الله.

وبهذا الإبصار في جميع مواقفك وأقوالك وأعمالك تكون أقرب إلى الصواب وإلى الجادة، بعيداً عن الأقوال والأعمال والمواقف التافهة التي هي علامة بارزة من علامات الرويبضة، كما أنك بذلك تحدد هدفك الجاد الذي يصب في تحقيق أهداف الأمة الكبيرة، من إصلاح الأوضاع، وإعادة التمكين، وإعزاز الأمة.

رابعاً: الشعور بالمسئولية وبثقلها وأخذ الأمور بما يتناسب معها ويليق بها، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [(72) سورة الأحزاب]، وقال أيضا: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [(58) سورة النساء].

فلا بد من الشعور بالمسئولية تجاه أمتك وأوضاعها وأنك مسئول بأن تقوم بدور في سبيل إخراجها مما هي عليه من الذل والضياع بقدر ما تستطيع.

وعليك بالشعور بالمسئولية تجاه ما تكلف به من أعمال أو وظيفة فلا بد أن تتقي الله في ذلك ولا تهمل وتأكل المال الحرام الذي تعطاه مقابل ذلك.

وعليك بالشعور بالمسئولية تجاه إخوانك المسلمين ابتداء من الأقارب والجيران إلى عموم المسلمين فتؤدي النصيحة لهم وتقوم بواجبك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتعداد المسئوليات أمر يطول، والمقصود الإشارة إلى ما يجعلك إنساناً جاداً صادقاً لا رويبضة.

خامساً: لا بد من التسلح بالعلم، فإن الجهل أحد شقي الضلال، وسبب الشرور في العالم. قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [(72) سورة الأحزاب]، فالذي يصرف الإنسان عن حمل الأمانة المكلف بأدائها هو الظلم والجهل، فهما أصل الشرور في العالم، ومن أبرز صفات الرويبضة هاتان الصفتان. 

فحتى لا تكون رويبضة فلا بد من أن تتحلى بالعدل الذي ينفي الظلم، والعلم الذي ينفي الجهل.

كما أن العلم يبصر المرء بمواقع الخير والشر، ومواطن الحق والضلال، فلا يتحرك في طريق إلا والأمور واضحة أمامه ولا يضع قدمه إلا في المكان المناسب، ولا يتكلم إلا بالكلمة المناسبة في الموطن المناسب، ولا يطلق لنفسه العنان في القول والفعل كما يصنع الرويبضة!!

 

مواضيع ذات صلة:

ونطق الرويبضة (1)