Untitled Document
   
الاستقامة
إضغط للحفظ   إضغط للحفظ

الشيخ الدكتور/ أنور صالح أبو زيد

 

روى الإمام مسلم في صحيحه عن سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه- قال: «قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً، لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ قال: قل: ((آمنت بالله ثم استقم)).

 

وهذا الكلام النبوي منتزع من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف:13]، وفي الأخرى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصِّلت:30].

 

فمن أعظم الكرامة لزوم الاستقامة:

استقامة القلب، واللسان، والجوارح.  

استقامت فلم تشرك بالله شيئا، وما التفتت لغير الله.

واستقامت على طاعته وأداء فرائضه.

واستقامت على الطريق المستقيم؛ لأن ضده الاعوجاج، والاستقامة اعتدال لا اعوجاج كما قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...} [الأنعام:153]، والصراط المستقيم: هو طريق المنعم عليهم الذي يدعو المسلم ربه أن يجعله فيهم {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ..} [الفاتحة]. فالذين أنعم الله عليهم هم أهل الاستقامة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

 فالاستقامة: تعني التوسط بين الإفراط والتفريط بين التساهل وعدم المبالاة، وبين الغلو والتشدد.

هذا هو طريق الاستقامة؛ لأن دين الله بين الغالي والجافي.

الغالي: هو الذي يزيد ويتشدد.

والجافي: هو المتساهل الذي لا يهتم بدينه بل هو مفرط.

 

 فالغالي والمتشدد يزيد في العبادة ويخرج عن الحد المطلوب في أسلوب وطريقة التمسك بالدين يظن أنه بذلك يطيع الله ورسوله، وهو قد خرج عن شرع الله -سبحانه وتعالى- دون أن يشعر.

 

جاء ثلاثة نفر إلى بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادته وقيامه في الليل،  فلما أخبرهم أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنهم تقالوا هذا. لكنهم أجابوا عن فعل الرسول بأنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قالوا: فنحن لسنا مثله. فهو بزعمهم لم يكثر من الصلاة؛ لأنه مفغور له ونحن لسنا مثله فنحن بحاجة إلى أن نجتهد أكثر، فلما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وذُكر له ذلك تغير -صلى الله عليه وسلم- وأنكر عليهم وقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأتقاكم لله وإني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء وآكل اللحم ومن رغب عن سنتي فليس مني)).

يعني من لم تقنعه سنتي فأنا بريء منه فقوله: ((ليس مني)) أي أنا بريء منه. دل هذا على أن الخير كله في الاستقامة على سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والالتزام بشرع الله -عز وجل-.

 

كذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع لما أفاض من مزدلفة إلى منى أمر أحد الصحابة أن يلقط له حصى الجمار، فجاءه بحصى مثل حصى الحذف -أي الذي يقذف به على رؤوس الأصابع أكبر من الحمص بقليل- فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ينفضه ويقول لأمثال هؤلاء: ((فارموا وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)).

 

ويقابل هذا الغلو التساهل في امتثال أمر الله واجتناب نهيه كما هو الحال عند العصاة والفساق فهم متساهلون ومفرطون كل بحسبه.

 

كذلك بعض أهل العلم وبعض الدعاة إلى الله يتساهلون في الاستقامة على ملازمة السنة ومجانبة البدع. ويتساهلون في الاستقامة على الهدي الظاهر، والأخلاق العامة، والتعامل بمنهج وأدب الإسلام.

 

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا..} [فصِّلت:30]، وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضاً: ((قل آمنت بالله ثم استقم)).

 

فلم يستقم على أمر الله من اتخذ إلهه هواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه واقترفه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى. فأين هو من قوله: ((آمنت بالله))، وقوله: {رَبُّنَا اللهُ}؟

 

ولم يستقم على أمر الله من أطلق لسانه في الفحش وبذيء الكلام.

 

ولم يستقم على أمر الله من أراد بعمله ثناء الناس عليه.

 

ولم يستقم على أمر الله من أعمل جوارحه في تعدي حدود الله وانتهاك حرماته.

 

إذا رأيت الله يكره شيئاً وأنت تصر على محبته فقد اتبعت هواك واعوججت ولم تستقم.

 

فلله در من استقام على أمر الله فامتثله، وعلى نهيه فاجتنبه، استقام بقلبه ولسانه وجوارحه.

 

وأساس ذلك كله القلب، فمتى استقام استقامت الجوارح كلها، فإن القلب هو ملك الأعضاء والجوارح جنوده ورعاياه.

 

واعلم أن استقامة القلب لا تتم إلا بشيئين:

أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عندك على جميع المحاب.

ويظهر ذلك عند التعارض (حب الدين وأهله، كلام الله، الرسول وسنته، الصحابة، مجالس العلم والذكر، حب المرأة لحجابها).

الثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي.

ثم استقامة اللسان فإنه ترجمان القلب والناطق باسمه والمعبر عنه، وفي الحديث: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)).

 

وباستقامة اللسان تستقيم الجوارح ففي الأثر: "الأعضاء تخاطب اللسان تقول له: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا".

 

ورغم ذلك فلا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، وجبره بالاستغفار، كما قال تعالى: {...فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ...} [فصِّلت:6]. والمعنى: استقيموا على الطاعة فإن حصل منكم تقصير فعليكم بالاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو التقصير.

 

وهذا من رحمة الله -سبحانه وتعالى-؛ ولهذا يقول -صلى الله عليه وسلم-: ((استقيموا ولن تحصوا)) هل يستطيع أحد أن يحصي كل الطاعة ولا يترك منها شيئا؟ لا يستطيع أحد أن لا يحصل منه تقصير أبدا ((استقيموا ولن تحصوا)) هذا إخبار من الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الإنسان عرضة للخطأ وعرضة للتقصير، وعدم إحصاء كل الطاعات ولكن عليه بالاستغفار.

 

والمطلوب التسديد والمقاربة كما في الحديث: ((سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ينجو أحدكم منكم بعمله)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)) والتسديد معناه الإصابة، وهذا مأخوذ من الرماية؛ لأن الذي يريد أن يرمي الغرض يسدد السهم إليه من أجل أن يصيبه.

 

فمطلوب من المسلم في دينه أن يسدد -يعني يحاول إصابة الحق- فإن لم يصبه فيكفي منه المقاربة وهذا من رحمة الله -سبحانه وتعالى- يغفر الله له ما يحصل من الخلل في الإصابة إذا قارب ما دامت النية الإصابة لكن أخطأ. فالإنسان إذا أخطأ وهو يريد الحق، فإنه مغفور له بسبب نيته الصالحة.

 

ثمرات الاستقامة:

1- رحمة الله الموجبة للجنة.

2- تتنزل عليهم الملائكة بالبشرى ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ملائكة الرحمة تتنزل عليهم عند الموت تبشرهم؛ لأن الإنسان يخاف عند الموت وخصوصاً الكافر والمنافق إذا عاين الموت، فإنه يكره الموت؛ لأنه يعرف مصيره المؤلم، أما المؤمنون أهل الاستقامة فإن الملائكة تتنزل عليهم في هذه اللحظة في لحظة الموت فتطمئنهم وتقول لهم: لا تخافوا مما أنتم قادمون عليه؛ لأنكم قادمون على رب رحيم، وعلى جنات النعيم، ولا تخزنوا على ما تركتم من الأولاد والزوجات الذين تخافون عليهم الضياع. لا تخافوا عليهم، ولا تخزنوا على فراق الدنيا، فراق الأولاد والأهل فنحن نخلفكم فيهم، وتبشرهم بالجنة عند سكرات الموت عند ذلك يحبون لقاء الله. فالمؤمن إذا بشر بلقاء الله أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، والكافر والمنافق إذا بشر بالنار كره لقاء الله فكره الله لقاءه. {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} [فصِّلت:31] كانوا مع المؤمنين يعينونهم على طاعة الله ويحفظونهم بأمر الله؛ لأن المؤمن موكل به ملائكة، فكل إنسان موكل به ملائكة، ولكن المؤمن يكون معه ملائكة يحفظونه ويسددونه ويأمرونه بالخير وينهونه عن الشر.

 

{وَفِي الآَخِرَةِ} [فصِّلت:31] نحن معكم في الآخرة لا تخافوا من أهوال الآخرة نحن معكم ونسير معكم ونحن معكم في الجنة كما قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ(24)} [الرعد]. (هذه عاقبة أهل الاستقامة عند الموت وفي الآخرة).

 

3- {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجنّ:16].

4- التمكين في الأرض واستمراره.

كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر:51]، وقوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [النور:55].

 

فنسأل الله عز وجل الاستقامة على هذا الدين الحنيف، وعلى التمسك والالتزام بسنة النبي المختار صلى الله عليه وسلم، والسير على نهجه إلى يوم البعث والنشور.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.